مدخل :
يقع إقليم دارفور في أقصى غرب السودان، وتشكل
حدوده الغربية الحدود السياسية للسودان في تلك
الجهة مع ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد،
وتسكنه عرقيات إفريقية وعربية؛ من أهمها الفور
التي جاءت تسمية الإقليم منها، والزغاوة والمساليت،
وقبائل البقارة والرزيقات. وتمتد جذور بعض هذه
المجموعات السكانية إلى دول الجوار، خاصة تشاد
وجمهورية أفريقيا الوسطي.
وكانت دارفور في السابق مملكة إسلامية مستقلة
تَعاقب على حكمها عدد من السلاطين، كان أخرهم
السلطان علي دينار، وكان للإقليم عملته الخاصة
وعلَمه، ويحكم في ظل حكومة فيدرالية يحكم فيها
زعماء القبائل مناطقهم، وكانت هذه الفيدراليات
مستقلة تماما حتى سقطت في الحقبة التركية.
وقد اتجه أهل دارفور خلال الحكم التركي الذي استمر
نحو 10 سنوات لأسلوب المقاومة، وشكل الأمراء
والأعيان حكومات ظل كانت مسئولة عن قيادة جيش
دارفور الموحد الذي كان يشن عمليات المقاومة ضد
الجيش التركي. كما شهد الإقليم عدة ثورات؛ من
أشهرها ثورة السلطان هارون التي دحرها غردون باشا
عام 1877، وثورة مادبو بمدينة الضعين، وثورة
البقارة. وعند اندلاع الثورة المهدية سارع الأمراء
والزعماء لمبايعة المهدي ومناصرته حتى نالت
استقلالها مجددا.
ولم يدم استقلال الإقليم طويلا ؛ حيث سقط مجدداً
تحت حكم المهدية عام 1884 الذي وجد مقاومة عنيفة
حتى سقطت المهدية عام 1898، فعاد السلطان علي
دينار ليحكم دارفور.
وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى أيد سلطان
دارفور تركيا التي كانت تمثل مركز الخلافة
الإسلامية؛ الأمر الذي أغضب حاكم عام السودان،
وأشعل العداء بين السلطنة والسلطة المركزية، والذي
كانت نتيجته الإطاحة بسلطنة دارفور وضمها للسودان
عام 1917 .
وقد تأثر إقليم دارفور كما يقول الكاتب مأمون
الباقر بالثقافة الإسلامية قبل دخول المستعمرين؛
فأقيمت المدارس الدينية لتعليم القرآن والشريعة
الإسلامية، وتم إرسال العديد من أبناء الإقليم إلى
الدراسة في الأزهر الشريف؛ حيث خصص رواق دارفور
منذ تلك الفترة، كما كانت هناك نهضة ثقافية وفكرية
ساهمت في تلاحم القبائل.
ومما يذكره التاريخ عن السلطان علي دينار أنه كان
يكسو الكعبة المشرفة سنويا، ويوفر الغذاء لأعداد
كبيرة من الحجاج فيما يعرف عند سكان الإقليم
بـالقدح السلطان علي دينار أو أبيار علي .
وقد مرت على إقليم دارفور الكثير من التطورات
والتدخلات التي أثرت على اختلاف ثقافات المنطقة
وتنوع أعراقه، خصوصا مع توطن قبائل من الرحل من
غير سكان الإقليم، ومع ظهور الدول الأفريقية نتيجة
التقسيم الجغرافي وتعاظم الصراعات المسلحة في
المنطقة بدأت تظهر أنواع من الانعزال المكاني
والانعزال الاجتماعي والانعزال الفكري.
وأصبح أكثر من 85% من الصراعات القبلية في السودان
يدور في دارفور.. تلك المنطقة التي تمتد على مساحة
510 ألف كيلومتر، ويبلغ عدد سكانها ما يقارب 6
ملايين نسمة!
وساهم في تصاعد هذه الحروب والصراعات المسلحة عدة
أمور إضافة إلى التركيبة القبلية التي تتحرك في
فضائها الأحداث الدامية في الفاشر والجنينة وقولو
وكرنوي؛ بحيث يمكن القول بأن ما حدث نتيجة أخطاء
بشرية وتدخل خارجي.
فليس سرا أن إدخال السلاح بكميات كبيرة لهذه
المنطقة الملتهبة في العديد من الصراعات الداخلية
(لمواجهة حركة التمرد الجنوبية)، وفي الصراعات
الخارجية (القتال في تشاد وأفريقيا الوسطى) أدى
لانتشار تجارة السلاح في المنطقة.
ويروي الأستاذ جبر الله خمسين فضيلي في استطلاع
لصحيفة الحياة السودانية -وهو محام من أبناء
دارفور- رواية عن أول دفعة من السلاح دخلت دارفور
بكميات كبيرة؛ حيث يقول : ( الجبهة الوطنية التي
كانت تقود المعارضة ضد حركة مايو بزعامة الرئيس
جعفر نميري أدخلت كمية كبيرة من السلاح.. عندما
كانت تعد لانتفاضة 2 يوليو 1976م.. وقد خزنت هذا
السلاح في 20 حفرة بوادي هور على مسافة بضعة
كيلومترات من بئر مواطن كباشي يدعى ود الفضل ..
تقع في وادي هور.. هذا السلاح تسرب لدارفور عندما
بدأ الحوار بين الجبهة والنظام حول المصالحة
يومها.. ولتأكيد حسن نيتها وجديتها أهدت الجبهة
الوطنية هذا السلاح للجيش وأرشدت على مكانه ..
وبالفعل ذهبت قوة من الجيش -القيادة الغربية
بالفاشر- لإحضار ذلك السلاح ، ولكنها وجدت بعض
الحفر أخليت، وأخذ منها السلاح، وذهب لأيادي
المواطنين من أبناء دارفور .. وكانت هذه هي بداية
انتشار السلاح في دارفور ) .
أما الدفعة الثانية من السلاح التي دخلت دارفور
فقد جاءت مترتبة على النزاعات التشادية؛ حيث كانت
دارفور مسرحا ومعبرا للسلاح بين الخصماء والجهات
الداعمة لهم.. بل إن التداخل القبلي في المناطق
الحدودية وعدم وجود موانع طبيعية للفصل بين البطون
السودانية وغيرها شجع العديد من القبائل الحدودية
المشتركة على العبور إلى داخل الأراضي السودانية
لنصرة فروع القبيلة، والوقوف معها في صراعاتها ضد
القبائل الأخرى.
ويقول مؤرخون سودانيون : ( إن تسليح المليشيات
العربية من المسيرية والرزيقات منذ عام 1986م من
قبل حكومة الصادق المهدي بهدف مواجهة تمدد حركة
جارانج ، واستمرار التسليح في عهد الرئيس البشير
لمواجهة التمرد في جنوب السودان قد ساهم أيضا
بصورة كبيرة في انفلات الأمن في دارفور .
القبائل في دارفور :
تنقسم القبائل في دارفور إلى مجموعات القبائل
المستقرة في المناطق الريفية مثل الفور والمساليت
والزغاوة، والداجو والتنجر والتامة، إضافة إلى
مجموعات القبائل الرحل التي تتنقل من مكان لآخر،
ووفدت للمنطقة مثل: أبالة وزيلات ومحاميد ومهريه
وبني حسين والرزيقات والمعالية. وغالبية سكان
دارفور مسلمون سنّة
وغالبية القبائل المستقرة من الأفارقة ، ويتكلمون
لغات محلية بالإضافة للعربية، وبعضهم من العرب،
أما غالبية قبائل الرحل فهم عرب ويتحدثون اللغة
العربية، ومنهم أيضا أفارقة .
وقد عاش الرحل والمجموعات المستقرة وشبه الرعوية
والمزارعون في دارفور في انسجام تام منذ قديم
الزمان ، وهناك علاقات مصاهرة بينهما، واعتادت
مجموعات الرحل التنقل في فترات الجفاف إلى مناطق
المزارعين بعد جني الثمار، وهذه العملية يتم
تنظيمها في اتفاقيات محلية بين القبائل، وإن لم
يخلُ الأمر - في أوقت الجفاف والتصحر- من بعض
المناوشات المتكررة بين الرحل والمزارعين في نطاق
ضيق، سرعان ما كان يجري حلها.
ولم يسمع أحد أن الاختلافات الإثنية والثقافية بين
هذه المجتمعات التي تم استغلالها بصورة واسعة في
هذا الصراع كان لها دور في أي خلافات بين مجموعتي
القبائل المختلفة ؛ حيث كان يتم حل النزاعات في
مؤتمرات قبلية تنتهي بتوقيع اتفاقيات المصالحة بين
أطراف النزاع، غير أن النزاعات والحروب القبلية
اتسعت بصورة كبرى مع الوقت، وتشعب النزاع، وتدخلت
أطراف دولية وإقليمية .
ففي 1989 اندلع نزاع عنيف بين الفور (أفارقة)
والعرب ، وتمت المصالحة في مؤتمر عقد في الفاشر؛
مما أخمد النزاع مؤقتا، ورعى اتفاقيةَ الفاشر
-التي أنهت الصراع- الرئيسُ السوداني الحالي عمر
البشير الذي كان قد تولى الحكم عام 1989 بعد
انقلابه على النظام القائم في الخرطوم آنذاك.
كما اندلع صراع قبلي آخر بين العرب والمساليت في
غرب دارفور بين عامي 1998-2001 ؛ مما أدى إلى لجوء
كثير من المساليت إلى تشاد ، ثم وقعت اتفاقية سلام
محلية مع سلطان المساليت عاد بموجبها بعض اللاجئين
فيما آثر البعض البقاء في تشاد.
لغز ميليشيا الجنجاويد
كلمة جنجاويد مكونة من ثلاثة مقاطع هي: جن بمعنى
رجل، وجاوأوجي ويقصد بها أن هذا الرجل يحمل مدفعا
رشاشا من نوع جيم 3 المنتشر في دارفور بكثرة،
وويدومعناها الجواد .. ومعنى الكلمة بالتالي هو :
الرجل الذي يركب جوادا ويحمل مدفعا رشاشا.
وهؤلاء غالبا ما يلبسون ثيابا بيضاء مثل أهل
السودان، ويركبون الخيل، ويهاجمون السكان
والمتمردين معا في دارفور ، وهناك روايات عن نهبهم
أهالي دارفور، واستهدافهم قبيلة الزغاوة الأفريقية
التي خرج منها أحد زعماء حركات التمرد في دارفور،
وعن مطاردتهم في الوقت نفسه للمتمردين على حكومة
الخرطوم.
وعلى حين تتهم حركات التمرد الثلاثة في دارفور
ووكالات الإغاثة الدولية الجنجاويد بأنهم أعوان
الحكومة وتابعوها، وأنهم عرب يشنون هجمات عنيفة
على الأفارقة السود من قبائل الفور والمساليت
والزغاوة.. تنفي الحكومة السودانية ذلك بشدة،
وتقول: إنها لا ولاية لها عليهم، وإنهم يهاجمون
قواتها أيضا.
وينسب إلى هذه الميليشيات أنها تقوم بعمليات قتل
واغتصاب وتشويه ونهب وإحراق عشرات الآلاف من
البيوت ، وتشريد مئات الآلاف من الأشخاص ، ويقال :
إن عددهم صغير جدا، ربما بضعة آلاف، لكنهم مسلحون
تسليحا جيدا بالرشاشات ويركبون الخيل والجمال ،
وأن هدفهم من مهاجمة القبائل الأفريقية هو طردهم
من بيوتهم ، وإجبارهم على التخلي عن موارد المياه
والمراعي المهمة للقبائل الرحل ذات الأصول العربية
.
ويقال: إن الجنجاويد يعيشون على الرعي ، وإنهم
تعرضوا لضرر كبير بسبب التصحر الذي قلل من موارد
المياه والمراعي في دارفور بشكل ضخم ، وإنهم
يهاجمون رجال القبائل الأفريقية ؛ لأن منهم يخرج
العدد الأكبر من مقاتلي حركات التمرد : جيش تحرير
السودان وحركة العدالة والمساواة اللتين تمثلان
المجموعتين المتمردتين الرئيسيتين في دارفور ، وإن
هدفهم بالتالي هو القضاء على التمرد من خلال ضرب
هذه القبائل.
السودان واحد من الدول القليلة التي تجمع في
ثقافاتها ألوانا مختلفة الأوجه، منحت السودان
ظروفا بالغة التنوع على المستويين الطبيعي
والسكاني. يمثل السودان أحد المداخل الأساسية
للقارة الأفريقية بمساحة تزيد عن 2.5 مليون كم2،
وبطاقة سكانية تبلغ 34 مليون نسمة .
وتمثل حدود السودان الطويلة مع 9 دول إحدى أهم
نقاط الضعف في معالم جغرافيته السياسية. جنسيا،
تنتمي الجماعات السكانية إلى مجموعتين رئيسيتين :
الزنوج ، والعرب، ودينيا يشكل المسلمون أكبر
مجموعة دينية بما يزيد عن 70% من إجمالي السكان،
والنسبة الباقية للوثنيين والمسيحيين. ومن بين 26
ولاية يجسد إقليم دارفور ما يمكن اعتبارهالسودان
المصغر بتنوع أعراقه ولغاته ومشاكله الداخلية،
وتأثير دول الجوار والقوى الدولية .
تمكن نهر النيل من أن يشق لنفسه ذلك الوادي الضخم
في قلب التضاريس الوعرة لأرض السودان . وتمثل
مرتفعات دارفور إحدى الكتل التضاريسية التي لم
تصلها أيادي النهر . مناخيا ، تقع دارفور في قلب
المنطقة الصحراوية - إلى الشمال من خط التماس مع
إقليم الساحل- بظروفها القاسية ، من تذبذب الأمطار
، وقيام حياة رعوية وزراعية هشة، وندرة في موارد
المياه.
كانت هذه المعطيات أساسا طبيعيا لنشوب النزاعات
على الموارد بين سكان الإقليم الذين يزيدون عن
الستة ملايين نسمة . تم تغذية هذه المعطيات بسلطة
إدارية ضعيفة ، وسيادة أمزجة قبلية، وانشغال
الخرطوم بالصراعات الانفصالية في الجنوب .
فتش عن الثروة. شعار يرد إلى الذهن مع كل صراع
انفصالي، وليس السودان منه ببعيد . يمثل النموذج
الخليجي القائم على اقتصاد النفط حلم الخرطوم
لتطوير بنيته الاقتصادية ، بعدما صار النفط يسهم
بنحو 70% من إجمالي عائدات تصدير السودان.
وتشير التقديرات إلى أن الاحتياطي الأولي في
السودان يبلغ نحو 600 مليون برميل، وينتج السودان
حاليا 300 ألف برميل يوميا، تأخذ طريها إلى
التصدير عبر ميناء بورسودان على البحر الأحمر.
ورغم محدودية هذه الأرقام، فما زالت الاستكشافات
النفطية تنبئ بتغير الخريطة الاقتصادية للسودان ،
وجزء مهم من هذه الاستكشافات يتقاطع مع مناطق نفوذ
الحركات الانفصالية في كل من دارفور والجنوب.
على خلاف الصراع في جنوب السودان الذي يتخذ الدين
أحد محفزاته، تشكل دارفور نموذجا مختلفا من
التناحر في أرض ذات أغلبية إسلامي .
فالنزاع القبلي المؤجج باختلافات عرقية بين العرب
والأفارقة يشكل وقودا مهما في إشعال الصدام الذي
يزداد بالتوتر السياسي وتهريب السلاح.
وتعرض الخريطة لمجموعتين رئيسيتين من القبائل :
الأفريقية ؛ وأهمها الزغاوة والفلاتا والمساليت
والفور والداجو، وينتمون إلى نمط الحياة الرعوية
المستقرة ؛ والقبائل العربية ، وأهمها الرزيقات
وبنو هلبة والهبانية والتعايشة، وينتمون إلى
القبائل الرعوية المرتحلة.
ويستند فكر الحركات الانفصالية في دارفور على
التباين العرقي تحت شعار أن حكومة الخرطوم تحابي
القبائل العربية وتمدها بالسلاح والمؤن.
أفضى النزاع القبلي في دارفور إلى مقتل آلاف
السكان (ترفع الحركة الانفصالية هذا الرقم إلى 10
آلاف إنسان) وتشريد عشرات الآلاف (ترفع الهيئات
الدولية هذا الرقم إلى مليون نسمة).
ونظرا لخطورة الحالة الإنسانية في الإقليم ومع
غياب دور المنظمات العربية والأفريقية لتقديم
الدور الواجب عليها من إقرار الأمن، ودعم السكان
بالغذاء والمياه - تدخلت الأمم المتحدة في الإقليم
وقدمت الخريطة المرفقة التي صُنفت من خلالها
المنطقة إلى 3 مستويات من خطورة التوتر .
أكثر هذه الدرجات حدة منطقة القبائل الأفريقية في
الشمال والغرب ، وأقلها حدة منطقة القبائل العربية
في الجنوب والجنوب الشرقي .
السودان واحد من الدول القليلة التي تجمع في
ثقافاتها ألوانا مختلفة الأوجه، منحت السودان
ظروفا بالغة التنوع على المستويين الطبيعي
والسكاني. يمثل السودان أحد المداخل الأساسية
للقارة الأفريقية بمساحة تزيد عن 2.5 مليون كم2،
وبطاقة سكانية تبلغ 34 مليون نسمة .
وتمثل حدود السودان الطويلة مع 9 دول إحدى أهم
نقاط الضعف في معالم جغرافيته السياسية. جنسيا،
تنتمي الجماعات السكانية إلى مجموعتين رئيسيتين :
الزنوج ، والعرب ، ودينيا يشكل المسلمون أكبر
مجموعة دينية بما يزيد عن 70% من إجمالي السكان،
والنسبة الباقية للوثنيين والمسيحيين. ومن بين 26
ولاية يجسد إقليم دارفور ما يمكن اعتباره السودان
المصغر بتنوع أعراقه ولغاته ومشاكله الداخلية،
وتأثير دول الجوار والقوى الدولية .
1 . من هم قادة حركات التمرد في دارفور ؟ وماذا
يريدون ؟!
الأسماء التي صعدت على سلالمالشهرة مع صعود
المجموعات المناهضة للمركز لجبل مرة: عبد الواحد
محمد نور والدكتور خليل إبراهيم وشريف حرير
والتجاني سالم درو .. هي تقابل في فعلها المجموعة
التي دخلت الغابة الاستوائية في الثمانينيات صمويل
قاي توت ووليم نون وجون جارانج دي مبيور وعبد الله
شول.. ولكن الفارق الأساسي باستثناء التجاني درو
فالمجموعة الدارفورية هي مجموعة مدنية غير عسكرية
، ولها ارتباطات تنظيمية أو ميول سياسية عرفت بها
في نطاق دوائر حراكها المحدود بالدراسة أو السكن
أو العمل التنظيمي !!
فالمجموعة الجنوبية التي شكلت نواة الحركة الشعبية
خرجت من المدرسة العسكرية الرسمية .. والمجموعة
الدارفورية خرجت من أوعية الأحزاب السياسية ، ولكن
كلتيهما قررت الدخول للنادي السياسي النخبوي عبر
بوابة العمل العسكري وصواعد الرصاص تحت مبرر واحد؛
وهو أن أوعية العمل السياسي في السودان مصممة بحيث
يصبح معها الصعود إلى مراقي القيادة أمرا فائق
العسر لأمثالهم من المهمشين !!
والذي صعد بالمجموعة الدارفورية لجبل مرة مغاضبة
للمركز هو شعورها بالتهميش داخل أحزابها، ومثال
لذلك الدكتور خليل إبراهيم عضو المؤتمر الوطني
والوزير الإنقاذي لسنوات طوال.. أو تلك التي
تشعربتهميش حزبها، وابتعاده عن مناطق الكسب، ومثال
لذلك الدكتور شريف حرير الرجل الثاني في الحزب
الفيدرالي الذي يترأسه محمد إبراهيم دريج !!
إذن حالة الشعور بالتهميش تمتد وتتسع من دائرة
الذات لتشمل النطاقين القبلي والجهوي فيتداخل
العام بالخاص؛ لذا كان الدكتور خليل إبراهيم من
الذين أعدوا الكتابالأسود. ذلك الكتاب الذي ظهر في
عام 1999 أثناء تصاعد الخلافات داخل الحزب الحاكم
قبل انقسامه.. والذي أثار جدلا واسعا بتقديمه
تقييما عرقيا لشاغلي المناصب القيادية في الدولة !
وجاء ذلك الاعتراف في أول حوار أجري معه بلندن بعد
أحداث دارفور بصحيفةالحياة؛ حيث قال: منذ
الاستقلال حكم السودان 12 رئيسا جميعهم من الإقليم
الشمالي، ولم يرأس السودان أي شخص من دارفور أو
الشرق أو الجنوب.. قررنا التأكد من ادعائنا بسيطرة
مجموعة صغيرة على البلاد، فأجرينا إحصاء نشرناه في
الكتاب الأسود !!
إذن الفارق الأساسي بين تمرد الجنوب وتمرد دارفور
هو أن الأول بدأ عسكريا ثم تسييس ولكن الثاني بدأ
سياسيا ثم تعسكر.. فالعسكريون في الجنوب هم الذين
استقطبوا المدنيين للصراع، ولكن هل ستسير المعارضة
الدارفورية في الاتجاه المعاكس ؟!
أوجه الشبه بين تمرد الجنوب والغرب
هنالك تشابه كبير بين منفستو التأسيس للحركة
الشعبية الجنوبية وحركة العدالة والمساواة
الدارفورية؛ فكلتاهما حدد عدوا مشتركا وهدفا
واحدا، وأعلن كل طرف منهما عن وجود تقارب وتنسيق
بينهما، ولم يستبعد الطرف الآخر حدوث ذلك
مستقبلا..
البيان الذي أصدرته الحركة الدارفورية بعد
عملياتها العسكرية الذي ذكر الأستاذ عادل عبد
العاطي في مقال له بصحيفة سودان نايل الإلكترونية
أنه كتب بلغة إنجليزية رفيعة، أكد تحالف من أطلق
عليهم: المهمشين ضد سلطة المركزودعا البيان لفصل
الدين عن الدولة، وبناء سودان مدني ديمقراطي تلعب
في بنائه وإعادة صياغته القوى المهمشة الدور
الأساسي..
وهذه المفاهيم واللغة تتطابق تماما مع ما جاء في
منفستو تأسيس الحركة الشعبية حيث ورد في فصله
الثاني "أن المعني بلفظة الشمال في كل هذا
المنفستو هي المناطق في شمال السودان التي أصبحت
فيها التنمية الهامشية ضرورية حتى يتسنى استخراج
الفائض بأقل تكلفة بواسطة الأنظمة الاستعمارية..
وبهذا المفهوم فإنها تضم مديرية الخرطوم، ومديرية
النيل الأزرق القديمة، ولا تضم أيا من المناطق
الأخرى في شمال السودان فمديريات دارفور وكرد فان
وكسلا والشمالية القديمة هي مناطق متخلفة تستوي في
ذلك مع المديريات الجنوبية الاستوائية وبحر الغزال
وأعالي النيل والتي تعرف حاليا بجنوب السودان..
وأن ما عرفناه بالمناطق المتخلفة في شمال السودان
هي أكثر المناطق التي تعرضت للخداع والإهمال من
أنظمة الأقلية والشلل الحاكمة في الخرطوم، إن
أنظمة شلل الأقلية هذه استغلت دائما قضايا القومية
والدين لعزل الكفاح في الجنوب عن كفاح المناطق
المتخلفة في الشمال!
هدفهما ضرب مركزية الوسط
إذن.. منفستو الحركة الشعبية وبيان معارضة دارفور
الجبلية يربط بينهما مسعى مشترك يسعى لما يسميه
محمد أبو القاسم حاج حمد في كتابه السودان..
المأزق التاريخي وآفاق المستقبل لإنشاء حزام أو
طوق دائري حول مركز الوسط السوداني اعتمادا على
تجميع الأطراف وفق منهج النضال المسلح للقضاء على
مركزية الوسط السوداني !!
ففي حوار خليل إبراهيم الذي سئل فيه عن علاقة
حركته بالحركة الشعبية.. أجاب نتحدث عن المظلمة
الواقعة على غالبية أبناء السودان وهنالك تنسيق،
ونتفق أن البلد فيه ظلم واستعمار، وعلى ضرورة
انتهاء هذه السيطرة على مقادير البلد !!
وعندما سئل ياسر عرمان بصحيفة الأيام عن علاقة
الحركة بما يحدث في دارفور أجاب: لا يمكن أن
نساعدهم.. لأنهم بعيدون عنا جغرافيا، وليس سياسيا
!!
والذي يتضح من التصريحات الصحفية والبيانات التي
تصدر من معارضة الجبل أن ما يحدث في دارفور تقوم
به مجموعات متعددة، بعضها ذات طابع قبلي تنتهي
أجندته في حدود جغرافية دارفور.. والبعض الآخر
تتمدد أجندته لتصل الخرطوم ، وأن المجموعة القائدة
للحركة العسكرية في دارفور ما زالت في مرحلة تذويب
الخلافات الفكرية والسياسية بينها.. ووضح ذلك في
تضارب التصريحات والمسميات ما بين حزب العدالة
والمساواة وحركة تحرير دارفور إلى حركة تحرير
السودان.. فبعد أن تبنى الدكتور خليل العمليات
العسكرية المستهدفة لرموز الدولة في دارفور تبنى
شريف حرير العمليات ذاتها بالكامل، ثم عاد وتحدث
بعد ذلك عن وجود تحالف دارفوري عريض قام بها..
وبعد فترة وجيزة هاجم شريف حرير الدكتور خليل،
ونفى أن يكون له دور في أحداث دارفور، وعرض
بانتمائه السابق للإسلاميين.. أما خليل حينما سئل
عن علاقة حركته بتحالف حرير الفيدرالي أجاب: لا
توجد علاقة تنظيمية أو علاقة تنسيق.. نحن حركة
مستقلة، وحتى هذه اللحظة يعمل كل طرف منفصلا عن
الآخر.. ما يجمعنا أننا جميعا مهمشون، ويمكن أن
يلتقي المهمشون في المستقبل.
ففي الوقت الذي يؤكد خليل وجود تنسيق بينهم وبين
الحركة الشعبية ينفي وجود تنسيق بينهم وبين حزب
حرير الفيدرالي، وهو أقرب إليهم جغرافيا وسياسيا
!!
خليل وأزمة التوزير
الدكتور خليل إبراهيم كان من القيادات الوسيطة في
المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية؛ حيث انحصر دوره
في المناصب الولائية؛ حيث عمل وزير صحة بدارفور
والنيل الأزرق، ووزير تربية، ثم أصبح مستشارا
لحكومة بحر الجبل ومقرها جوبا، وقدم استقالته من
هذا المنصب في 1999.. والبعض يرد الاستقالة إلى
خلافات الإسلاميين بعد مذكرة العشرة وانقساماتهم
الحادة في تلك الفترة وميول خليل للمؤتمر الشعبي..
وآخرون يقولون - ومنهم الأستاذ جبريل عبد الله
القيادي بالمؤتمر الوطني بدارفور في حوار أجري معه
بصحيفة الوفاق-: خليل كان قياديا تنظيميا بدارفور
قبل أن يصبح وزيرا، وكان قد فقد بعض المنابر في
دارفور، وحدثت مواقف سيئة بينه وبين ولاة دارفور
المتعاقبين، وبسببه أُعفي الوالي بروفوسير التجاني
حسن الأمين، ثم جاء الدكتور يونس الشريف الحسن
فقابله خليل بالقبلية، ومنها اضطرت السلطات لنقله
لولاية أخرى.
من الحركة الإسلامية للحركة الشعبية
شيء ما.. ووضع محدد هو الذي يتسبب في إحداث تلك
النقلة الكبيرة التي تجعل عددا من الإسلاميين
الدارفوريين ينتقلون وبفجائية محيرة من خلايا
الحركة الإسلامية إلى صفوف الحركة الشعبية (حركة
جارانج).. إذا كان ذلك بالانخراط فيها مثل ما فعل
المهندس داود يحيى بولاد في عام 1991م.. أو
بالتنسيق معها مثل ما تفعل حركة العدالة والمساواة
الآن والتي يقودها من لندن الدكتور خليل إبراهيم
ومن جبل مرة الضابط التجاني سالم درو.. أو
بالتحالف معها مثل مسعى المؤتمر الشعبي في فبراير
عام 2001م بتوقيع مذكرة تفاهم.
والفجائية والحيرة تأتيان من أن الحركة الإسلامية
والحركة الشعبية تمثلان طرفي نقيض لبعضهما البعض..
وكل منهما تؤسس خطابها على مناهضة مشروع الآخر
والسعي لإقصائه خارج الحلبة السياسية !!
وقد بدأت ظاهرة خروج بعض القيادات الدارفورية من
الحركة الإسلامية في أواخر الثمانينيات، فيما خرج
الدكتور فاروق أحمد آدم وإبراهيم يحيى من الجبهة
الإسلامية، والتحقا بالحزب الاتحادي الديمقراطي،
ثم جاء بعد ذلك خروج بولاد وخليل وغيرهما.. وأقرب
تفسير لهذه الظاهرة أن هنالك إشكاليات دقيقة
ومسكوتا عنها تعتمل التركيب السياسي والاجتماعي
لبناء الحركة الإسلامية التي تقوم أواصر العلاقة
فيها على الأخوة الإسلامية، وتمتد وتتسع لنطاق
أممي غير محدود.. ولكن تلك العوامل تغير منطق
العلاقة ح