المقدمة :
تمثل ازمة الملف النووي الايراني حاليا اخطر ازمة
يواجهها الشرق الاوسط والخليج بعد احتلال العراق
وهي ازمة توحي باستمرار تداعياتها وخروجها من مأزق
الي اخر اشد خطورة في ظل تمسك الولايات المتحدة
بعدم حق ايران في التخصيب النووي والا فالمواجهة
علي كل الاحتمالات .. في حين تصر ايران علي حفها
في التخصيب والاستخدام السلمي للطاقة الذرية طالما
وقعت علي اتفاقية حظر الانتشار النووي .. واصرار
الولايات المتحدة علي عدم حقها في التخصيب يجعلها
تفكر في الانسحاب من اتفاقية انتشار الاسلحة
النووية ( اي ايران ) والتوصل الي انتاج الاسلحة
النووية باي ثمن والاستعداد للمواجهة مع الولايات
المتحدة .
هذا الامر بما له من تداعيات خطيرة علي المشهد
الدولي يبقي من اصعب الملفات التي تواجهها السياسة
الدولية في الوقت الراهن .
وهو ما يفسر اهتمام المركز الفائق بهذه القضية
التي نظم لها اكثر من ندوة ولقاء واستضاف فيها
المفكرون واهل الشأن والاختصاص .. ولسنا هنا بصدد
التاكيد علي حق ايران الطبيعي في امتلاك
التكنولوجيا النووية باعتبارها المدخل الصحيح
لتحقيق التنمية الصناعية لدول العالم الاسلامي ..
ان المركز القومي للانتاج الاعلامي اذ يقدم هذا
الملف فانه يود ان يلفت انظار المختصين واصحاب
القرار الي ان التجربة الايرانية بجميع تقلباتها
جديرة بالتدبر والاعتبار .
ياسر يوسف ابراهيم
مدير المركز
يونيو 2006 م
تعامل الولايات المتحدة مع ازمة الملفين النوويين
الايرانى و الكورى الشمالى :
الحقيقة ان هناك اختلافا كبيرا فى تعامل الولايات
المتحدة مع الملفين النوويين الايرانى والكورى
الشمالى ، اذ يبدو ان الولايات المتحدة تتعامل
بهدوء وصبر واناة مع كوريا الشمالية تاركة الامر
للجنة السداسية التى شكلتها الولايات المتحدة
لادارة الازمة مع كوريا الشمالية ، وتتكون اللجنة
السداسية من الولايات المتحدة وكوريا الشمالية (
طرفا الازمة ) وروسيا والصين وكوريا الجنوبية
واليابان . فى حين تبدى الولايات المتحدة موقفا
متشددا فى التعامل مع الملف النووى الايرانى .
والحقيقة ان ثمة ملاحظات اساسية يمكن رصدها فيما
يتعلق بموقف الولايات المتحدة المغاير فى التعامل
مع الملفين النوويين الايرانى والكورى الشمالى
يمكن تلخيصها فى الاتى :
> تتشابه كلا من ايران وكوريا الشمالية من حيث
المبدأ بالنسبة للولايات المتحدة من حيث كونهما من
دول محور الشر كما جاء فى خطاب حالة الاتحاد الذى
القاه الرئيس الامريكى بوش بعد هجمات 11 سبتمبر
2001 حيث تحدث بوش عن دول محور الشر فى العالم وهى
من وجهة نظره العراق ( جرى احتلالها منذ 2003 وحتى
الان رغم تصاعد الهجمات ) وايران وكوريا الشمالية
، ولاشك ان انشغال الولايات المتحدة باعمال
المقاومة فى العراق هو الذى عطل المشروع الامريكى
للاحتواء المزدوج لكل من ايران وكوريا الشمالية >
هناك اختلاف كبير بين ايران وكوريا الشمالية من
حيث الغنى ، فايران هى رابع دولة مصدرة للبترول فى
العالم ولديها كميات هائلة من الغاز الطبيعى وتصنع
السلاح ولديها طموحات اقليمية وترفض مشروع السلام
الامريكى الاسرائيلى ، فى حين ان كوريا الشمالية
دولة فقيرة ليست لديها موارد كبيرة وتعيش اجزاء
كبيرة منها فى ظلام دامس فعلا وبحاجة الى الطاقة
اليوم قبل غد ، كذلك هناك اختلاف فى القدرات
النووية بين ايران وكوريا الشمالية ، فكل مافعلته
ايران هو تخصيب اليورانيوم بكميات ضئيلة لاتصنع
قنبلة نووية ، ولكى تصنع السلاح النووى لديها بعض
الوقت وتخصيب اليورانيوم بكميات كبيرة ، اما كوريا
الشمالية فامتلاكها السلاح النووى مسالة مؤكدة ،
وقد جرت تهديدات من جانب كوريا الشمالية لامريكا
ان هى اقدمت على مهاجمتها حيث اكدت بيونج يانج ان
الصواريخ النووية لكوريا الشمالية ستطول سان
فرانسيسكو غرب الولايات المتحدة ذاتها ،ناهيك عن
وجود قرابة 140 الف جندى امريكى فى كوريا الجنوبية
سيصبحون وقودا لنيران صواريخ كوريا الشمالية ،اما
بالنسبة لايران فهى تهدد الولايات المتحدة ان هى
اقدمت على مهاجمتها بضرب اسرائيل بالصواريخ واشعال
ابأر البترول فى الخليج واغلاق مضيق هرمز فى وجه
الملاحة العالمية وناقلات البترول مما يصيب
الاقتصاد العالمى بالشلل التام حيث ترتفع اسعار
البترول الى ارقام فلكية ويتخطى سعر البرميل حاجز
ال100 دولار وهو مالايحتمله الاقتصاد العالمى بأى
حال من الاحوال بعد حربى العراق وافغانستان .
يبدو الخلاف واضحا ايضا بين ايران وكوريا الشمالية
بالنسبة لتهديد كلا منهما لحلفاء الولايات المتحدة
حيث تهدد كوريا الشمالية حليفتى الولايات المتحدة
اليابان وكوريا الجنوبية فى حين تهدد ايران
اسرائيل اكبر حليف استراتيجى للولايات المتحدة فى
العالم ، وفى هذا الاطار جاءت زيارة رئيس الوزراء
الاسرائيلى اولمرت للولايات المتحدة مؤخرا ،حيث
طلب صراحة الحصول على صواريخ كروز لهجوم اسرائيل
محتمل ضد ايران ، وهنا لايمكن استبعاد قيام
اسرائيلي بضربة استباقية ضد المواقع النووية
الايرانية نيابة عن الولايات المتحدة ، فى حين ان
قيام الولايات المتحدة بضربة نووية ضد كوريا
الشمالية مسألة مستبعدة تماما لرفض كلا من روسيا
والصين وكوريا الجنوبية توجيه تلك الضربة ، صحيح
ان كلا من روسيا والصين تعارضان ضرب الولايات
المتحدة لايران ،لكن معارضتهما اشد لتوجيه تلك
الضربة لكوريا الشمالية بسبب الحدود الجغرافية
والايديولوجيا السياسية والمصالح الاقتصادية التى
تربطهما بكوريا الشمالية، ثم ان تهديد ايران
لاسرائيل مسألة خارج الحسابات الروسية والصينية،
وقد اعلنت الولايات المتحدة تأييدها اسرائيل صراحة
لاى هجوم محتمل عليها .
من هنا يمكن القول ان امريكا تعالج ازمة الملف
النووى لكوريا الشمالية بكثير من الصبر والانـاة
ولاتستعجل تسوية تلك الازمة لانها ستحل عاجلا ام
اجلا وكوريا الشمالية تمارس الابتزاز النووى
للحصول على مساعدات اقتصادية ليس الا ،وهى فعلا فى
حاجة الى التكنولجيا النووية للاغراض السلمية (
توليد الطاقة الكهربائية ) ، اما بالنسبة لازمة
الملف النووى الايرانى من المنظور الامريكى فهى
تبدو مختلفة ، حيث تعلم الولايات المتحدة الطموحات
النووية لايران ولاتثق فيها وتريد استمرار احتكار
اسرائيل للسلاح النووى كقوة وحيدة فى المنطقه ،
ولاتثق بالاستخدام السلمى لايران للطاقة النووية ،
وترفض تخصيب اليورانيوم فى الاراضى الايرانية ،
وايران لاتتراجع عن حقها فى الاستخدام السلمى
للطاقة النووية وتتمسك بحقها فى تخصيب اليورانيوم
على اراضيها ، والكرة الان فى ملعب دول الترويكا
الاوروبية والامم المتحدة ومجلس محافظى وكالة
الطاقة الذرية بحق ايران فى التخصيب النووى
والاستخدام السلمى للطاقة الذرية برقابة دولية .
أميركا والبرنامج النووي الايراني
ثمة تحليلات كثيرة ترسم سيناريوهات متعددة عن
علاقات اميركية- ايرانية في طريقها الى التشكل؛
بعضها يؤكد ان هذه العلاقات قطعت شوطا بعيدا في حل
الخلافيات، والبعض ينكر اصلا وجود خلافيات جادة او
تناقضات عميقة، لكن كل تلك التحليلات
والسيناريوهات اقرب ما تكون الى خلع اماني اصحابها
على الواقع، وان استند بعضها الى اخبار متناثرة او
مواقف معينة لا تشكل اساسا متينا لتدعيم ما يراد
الوصول اليه.
كل من يتابع العلاقات الاميركية- الايرانية لابد
له من ان يتوقف امام البرنامج النووي الايراني،
الذي يحتل مركز الصدارة المقرِّر لمستقبل تلك
العلاقات في المدى المنظور. فإلى جانب الضغوط
الاميركية التي تشترط على ايران ما اشترطته ولم
تزل على الدول العربية فيما يخص العلاقات بالدولة
العبرية، والى جانب سعيها لقلب النظام الذي جاءت
به الثورة الاسلامية ومحاصرته، فإن انتزاع
البرنامج النووي -بغض النظر عن حصره في الاغراض
السلمية- يشكل قرارا اميركيا ستذهب به ادارة بوش
والحكومة الاسرائيلية الى الحدود القصوى، ان اخفقت
المفاوضات الثلاثية البريطانية- الفرنسية-الالمانية
مع ايران في انتزاعه تماما.
ولكي ندرك خطورة هذه الاشكالية(وجود البرنامج
النووي الايراني) بالنسبة الى الدولة العبرية، يجب
ان ينظر اليه بالعينين الاسرائيليتين، كما بعيني
الليكود المتطرف المنزرع في الادارة الاميركية،
وعندئذ ستُرى باعتبارها اشكالية ترقى الى مستوى
الحياة والموت، وليست مشكلة يمكن تجاوزها او
التعايش واياها. ولذلك، فإن عدم انتزاع هذا
البرنامج من ايدي ايران من خلال المفاوضات والضغوط
الدولية، سيوصل الصراع حوله الى الحرب.
ولهذا، فإن فتح ملف اسلحة المقاومة التي بيد حزب
الله في لبنان ارتبط بإشكالية البرنامج النووي
الايراني ارتباطا عضويا، واصبح شرطا مسبقا
للحرب(العدوان)، او من ضمن الاعداد لها، وهو ما
يفسر فتح الملف السوري في لبنان، وما يمارس من
ضغوط على سورية، فضلا عن الضغوط التي تستهدف اخضاع
واضعاف الموقف الفلسطيني.
والسؤال: هل من الممكن ان تقبل ايران في نهاية
المطاف ان ينتزع منها برنامجها النووي تحت الضغوط
والتهديد والحصار والعدوان العسكري؟ او هل ثمة
امكان لصفقة اقتصادية وسياسية مغرية تقدم لها
مقابل التخلي التام عن برنامجها النووي ؟
الاجابة عن السؤال الاول تميل الى القول ان ايران
لن تتخلى عن ذلك البرنامج تخليا نهائيا تحت كل
الظروف، وذلك بالاستناد الى التأكيدات الرسمية،
وتحليلات خبراء لهم مصادرهم الوثيقة بهيئات اتخاذ
القرار. اما السبب الذي يدعم هذا الاستنتاج، فيرجع
الى ان التحول الى دولة نووية، ولو ضمن الاغراض
السلمية، يرقى بإيران ومصالحها ووضعها الى مصاف
دول بوزن البرازيل والهند، اي دولة كبرى من بين
دول العالم الثالث. وبدهي ان الوصول الى هذا
الموقع الاستراتيجي يسهم في حماية النظام، وفي ما
يمكن ان يلعبه من دور اقليمي وعالمي، ولهذا
انعكاساته الأكيدة على التقدم الاقتصادي والعلمي
والتقني والرفاه العام. ومن هنا، فإن انتزاع هذه
اللقمة بعد ان وصلت الى الفم هي بمثابة تجرع السم
او اشد.
واذا صح ما تقدم، فسيأتي الجواب عن السؤال الثاني:
انه ليس هنالك من صفقة سياسية او اقتصادية يمكن ان
توازي بالنسبة الى ايران اهمية الفوز بالموقع
الاستراتيجي آنف الذكر. فمثل هذه الصفقة يمكن ان
تحدث كنتيجة وليس كسبب، اي اذا وصلت الضغوط الى
غاياتها، فعندئذ تصبح الصفقة تعويضا جزئيا لخسارة
فادحة.
لكن الاجابتين المذكورتين تفترضان ابقاء تحفظ ما
عليهما، لأن قيادات ايران تمتاز بالدهاء
السياسي(بالمعنى العسكري او الفني للكلمة)، وبحسن
اجراء الحسابات، والجرأة على اتخاذ القرارات
الصعبة، كما حدث مثلا في قرار وقف اطلاق النار مع
العراق، او وقف استمرار الحرب. ومن ثم، فليس من
السهل الاجابة القطعية، كما تشير التصريحات
الرسمية والتحليلات المذكورة، وذلك بالرغم من ان
الموقف حتى الآن يدعمهما. اما الذي يسمح بالتحفظ
فلأن القرار حين سيتخذ سوف يحكم بجملة من العوامل
المحيطة به في حينه، من قبيل: الى اي مدى ستذهب
المواقف الاوروبية باتجاه الحرب؟ والى اي مدى يمكن
ان تؤثر القوى الرافضة للحرب، سواء اكانت دولا ام
رأيا عاما؟ ثم من الذي سيوجه الضربة: الدولة
العبرية (وهذا هو الارجح اذا تخوفت اميركا) ام
ستكون مشتركة من قبل تحالف عريض؟
ولهذا، يمكن القول ان اتجاه الصراع حول البرنامج
النووي سيصل الى شفير الهاوية، ولكن عندئذ ستجري
الحسابات من جانب المفيدين جميعا على ضوء موازين
القوى والمواقف المختلفة في حينه. وهذا الاندفاع
نحو شفير الهاوية مصدره الدولة العبرية وانصارها
في الولايات المتحدة والغرب عموما من جهة، فيما
الموقف الايراني يستند الى حقه في امتلاك برنامج
نووي للأغراض السلمية، وفقا لاتفاقية وكالة الطاقة
الدولية، الى جانب وضع دولي واقليمي مؤات يسمح
بعدم التنازل عن هذا الحق، من جهة اخرى.
ومن هنا، فإن كل السيناريوهات التي تتحدث عن صفقات
او تفاهمات اميركية-ايرانية هي مجرد امان لدى
اصحابها، لكن ليس استنادا الى وقائع، لا سيما
اشكالية البرنامج النووي الايراني البعيد عن الحل
حتى الان. اما تدعيم تلك السيناريوهات بما حدث في
افغانستان، او ما يحدث في العراق، فلا مجال له في
الموضوع المركزي للصراع الاميركي مع ايران، الا هو
البرنامج النووي، لأن المواقف من قبل الجانبين،
الايراني والاميركي، في ما يتعلق بأفغانستان
والعراق يجب ان تقرأ ضمن اطار كل حالة، وليس
باعتبارها دليلا على تلك السيناريوهات او جزءا من
اطارها العام. فكل حالة لها تعقيداتها، بغض النظر
عن الرأي في هذا الموقف او ذاك، لأن ما يراد
تبيانه هنا هو تسليط الضوء على بؤرة الصراع
الاميركي-الايراني، لما له من تأثير مستقبلي في
طريقة حله على المنطقة بأسرها، بل وعلى مجمل
المعادلة الدولية كذلك.
وتأتي النتيجة المفاجئة بانتخاب محمود احمدي نجاد
لرئاسة الجمهورية في ايران، ليدخل الوضع الايراني
في مرحلة جديدة من زوايا متعددة، داخلية واقليمية،
عدا موضوع البرنامج النووي الذي يبقى بيد مجلس
الامن القومي وكلمته الاخيرة للمرشد الاعلى
للجمهورية الايرانية الاسلامية، السيد علي خامنئي،
لانه قرار مصيري، تخضع له نتائج الانتخابات
الرئاسية ولا يخضع لها.
ايران والعالم العربي والاسلامي :
اخيرا، دخلت ايران نادي الدول النووية، واصبحت -
على حد قولها - الدولة الثامنة التي تملك التقنية
النووية بعد اميركا وروسيا وبريطانيا وفرنسا
والصين والهند وباكستان، بل التاسعة بعد اسرائيل.
وبدخول ايران النادي النووي، تصبح تقنية القنبلة،
ويا للمقارنة، مقسمة طائفيا على النحو الآتي: ثلاث
قنابل مسيحية علمانية في يد: اميركا وبريطانيا
وفرنسا. وقنبلتان اسلاميتان واحدة سنية في يد
باكستان وواحدة شيعية في يد ايران. وقنبلة شيوعية
في يد: الصين، وقنبلة من اصل شيوعي: في روسيا.
وقنبلة هندوسية- بوزية - براحماتية في يد الهند،
وقنبلة يهودية في يد اسرائيل.
لكن الامر النووي لا يسير كما تشتهي الدول
والطوائف. وايران النووية، موضوع شائك ومعقد، وفي
غاية الخطورة.
فهو لدى بعض العرب، سلاح اسلامي - عربي فعال، من
شأنه اذا استخدمته ايران، ان يعيد للعرب حقوقا
كثيرة حرمهم منها الغرب واسرائيل والقوة العسكرية
خصوصا.
وهو لدى بعض العرب الآخرين، سلاح فتاك لن يأتي
للعرب بالخير، بل بما هو ابشع من الشر نفسه، لانه
سلاح فارسي وله اطماع فارسية، ولهذين الموقفين،
وبسببهما، تبدو معالجة الشأن النووي الايراني امرا
في غاية الخطورة، على انني ابادر الى القول بأن لا
احدا يؤكد بعد ان ايران ملكت، او ستملك قريبا،
القنبلة النووية.
واذا اعتمدنا المصدر الايراني نفسه، فان ايران تصر
على انها لن تدخل الساحة النووية كي تصنع القنبلة،
بل كي تصنع الكهرباء والخدمات التي يحتاج اليها
الايرانيون، وهي مكلفة اذا توفرت خارج الطاقة
النووية ورخيصة اذا وفرتها الطاقة النووية.
اما اذا اعتمدنا المصادر الغربية والاسرائيلية
فانها جميعا تلمح الى ان ايران قد قطعت شوطا
متقدما في بناء القنبلة النووية. فاذا تم لها ذلك
يصبح الامن والسلام الدوليان في خطر كبير جدا.
ولذلك يجب ان تتضافر الجهود الدولية السياسية
والدبلوماسية لردع ايران في صنع القنبلة، فاذا
فشلت هذه الجهود تصبح العقوبات الدولية خيارا
واردا.. فاذا فشل هذا ايضا تصبح الحرب على ايران
امرا لا مفر منه تماما كما حدث مع العراق عندما
اتهمته اميركا بحيازة اسلحة فتاكة.
واما اسرائيل فهي - رغم علمها بالحقيقة - لا تترك
يوما الا وتحاول فيه ان تهدد وتتوعد ايران بضربة
عسكرية كاسحة تزيل المفاعل النووي الايراني عن
الوجود، سواء كان سلميا او عسكريا.
ومن الواضح ان هذا التحدي الاسرائيلي السافر،
والترهيب الدولي المتواصل يؤديان - حتما ومنطقيا -
الى ردة فعل ايرانية عصبية، فتزيد ايران من
تصريحاتها وتحدياتها، وتكرر نيتها في بناء مفاعلها
النووي واحيانا تلمح الى مفاجأة.
وهذا الاسلوب الغربي والاسرائيلي في جر الطرف
الاخر الى العصبية والخروج عن دائرة العقل والتعقل
الى دائرة التحدي وفقدان الاعصاب، رأيناه في حرب
العراق - ايران في مطلع الثمانينات. ورأيناه في
غزو الكويت في مطلع التسعينات، ورأيناه في غزو
العراق سنة 2003، فقد كان الغرب حاذقا في جر بعض
الزعماء، وبعض الدول، وخصوصا في عالمنا العربي الى
ما يريده الغرب لا الى ما يريده الطرف العربي
ولذلك سقط العرب في فخ 1948 وفخ 1967 وفخ 1981
(العراق - ايران) و1991 (غزو الكويت) و2003 )غزو
العراق وها هي طهران تتصرف مع الغرب وكأنها ستخرج
من اعصابها كما خرج العراق، والعرب في جميع ما
اصيبو ابه من خسائر وحروب وكوارث.
على ان المشروع النووي الايراني يثير فينا عددا من
التساؤلات ويبعث فينا مخاوف لا يمكن تجاهلها خصوصا
اذا تحركت الماكينة الايرانية النووية الى صنع
القنبلة .
على خلاف الموقف من القضية العراقية في العهد
البائد، فان الغرب يقف اليوم في صف واحد ازاء
المشكلة النووية الايرانية.ولم تنفصل اوروبا بما
في ذلك المانيا وفرنسا عن الموقف الامريكي، وثمة
تفاهم ملموس على اسلوب التحرك. وهناك الكثير من
الدوافع التي تجعل الغرب يتوجس من امتلاك ايران
الاسلحة النووية، لان هذا التطور سوف يمس مصالحه
ويعرض امنه وامن حلفاءه للمخاطر. ولكن هل تكمن
الهواجس الامنية وحسب وراء التصعيد في المواجهة مع
ايران وحتى التلويح بالعقوبات والقوة العسكرية، ام
ان المطلوب راس النظام الايراني القائم ككل،
باعتباره نظاما لاينسجم والخريطة السياسية الجديدة
للعالم وللشرق الاوسط على وجه التحديد.
على خلفية ذلك رمت الدبلوماسية الروسية بثقلها من
اجل التوصل الى تسوية سياسية لمشكلة البرنامج
النووي الايراني بصورة ترضي كافة الاطراف المعنية.
وتسعى روسيا من ناحية وقف جماح الغرب في تصعيد
المواجهة مع ايران واحالة الملف الايراني لمجلس
الامن الدولي وفرض العقوبات على ايران وحتى
استخدام القوة العسكرية ضدها، ومن ناحية اخرى
توفير اكبر ساحة ممكنة لمضي ايران في ماتراه من
حقوقها المشروعة ممارسة الانشطة في المجال النووي
الذي تقول انه حصرا للاغراض السلمية. بيد ان للغرب
قناعته الاخرى وطريق البحث السلمي قد يغري في
المضي نحو طرق الحرب.
وغدت روسيا في غضون الايام الاخيرة ساحة هامة
لمناقشة سبل التعامل مع ايران واقناعها بالتراجع
عن طموحاتها النووية أياً كانت اهدافها.ودون شك
فان موسكو تدرك ان النجاح بمهمتها سيعود عليها
بالكثير من الارباح السياسية والاقتصادية. فروسيا
في هذه الحالة ستبدو كدولة كبرى ذات نفوذ على
الساحة الدولية، وقادرة على تفريغ الازمات من
شحنتها قبل الانفجار، وبذلك ستكون شريكا مطلوبا من
الغرب الذي تسعى لنيل اعترافه بها كقوة كبيرة في
العالم. وستظهر روسيا ايضا بمظهر الحليف الذي لن
يتخلى عن اصدقاءه في وقت المحنة، مما سيجعلها مركز
جذب للدول التي تبحث لها عن سند ومؤازر على الساحة
العالمية. وكل هذا لاينفصل عن البعد الاقتصادي
سواء من مشروع تخصيب اليورانيوم الايراني في
اراضيها او مواصلة بناء المحطات الكهروذرية في
ايران والدول الاخرى، والبحث عن مشاريع اخرى. الى
جانب فان الدبلوماسية الروسية تتعامل مع ايران على
انها شريك استراتيجى. ويتعاون الجانبان في اسيا
الوسطى وفي حوض بحر قزوين وفيما وراء القوقاز. ولم
تتحرك طهران على الساحة السوفياتية بما يلحق
الاضرار بمصالح روسيا، وحتى تجنبت التدخل باي شكل
من الاشكال في النزاع الشيشاني او الاتصال بالحركة
الانفصالية المسلحة التي ترفع الشعار الاسلامي،
وتدعم ايران في النزاع حول ناغورني كرباخ حليف
روسيا أي ارمينيا في المواجهة مع الدولة المسلمة
اذربيجان.
ان نجاح الدبلوماسية الروسية في ايصال سفينة الملف
النووي الايراني لشاطئ السلام، سيكون نصر لايمكن
الاستهانة به للمبادئ التي تروج لها في العلاقات
بين الدول. وخاصة في ضوء التطورات في العراق وعلى
الساحة السوفياتية وقبلها يوغسلافيا، ان التجاء
الغرب للقوة وفرض العقوبات على الدول غير المرغوب
بها سوف يحرمها من الكثير من مواقعها واصدقاءها
التقليديين. وتضع الدبلوماسية الروسية الرهان على
الاقناع والحوار والتفاهم لتسوية كافة المشاكل
التي تشغل بال المجتمع الدولي. وترى ان العقوبات
والقوة طريق نحو العدم، ويؤدي الى زعزعة الاستقرار
الدولي والاقليمي. ودون شك فان القوى التي تراهن
على القوة والعقوبات تدرك اهدافها ووسائل تحقيقها.
وليس من العبث ظهور مصطلحات مثل ادارة الازمات
والتحكم بالفوضي، وتدرك ايضا ان روسيا تنوي تمرير
مصالحها بالطرق السلمية، لكونها لم تعد قوة
اقتصادية مؤثرة اوعسكرية تثير الرعب على غرار ما
كان عليه الاتحاد السوفياتي السابق.لذلك فان نجاح
الدبلوماسية الروسية في الملف الايراني سوف يكون
محك لقدرة الدبلوماسية الروسية على حل مشكلة
مستعصية وفق اساليبها.
وبالتاكيد فان تسوية ازمة البرنامج النووية في هذه
الحالة لايعتمد على مهارة الدبلوماسية الروسية
وحسب، بل وعلى الاهداف الحقيقية من وراء اثارة
الازمة وتصعيدها. وستظهر المداولات والمحادثات
المكثفة بين الاطراف المعنية والقرار الذي سيتخذه
اجتماع امناء الوكالة الدولية للطاقة النووية،
فيما اذا كانت هناك اسباب سياسية ام هواجس امنية
وحسب وراء تصعيد الازمة مع ايران. هل المطلوب هو
راس النظام الايراني واحلال البديل العلماني
والديمقراطي وفقا لرؤية الغرب، ام الاكتفاء بثني
ايران عن طموحاتها النووية.
وتنم تصريحات المسؤولين الروس عن ادراك موسكو
للعبة التي غدت فيها لاعب مهم فيها. ولكنها تتحرك
الان وفق النوايا المعلنة. أي ان الهاجس هو هاجس
امني، ومن منطلق الحرص على عدم انتهاك معاهدة عدم
نشر الاسلحة النووية.وتعرب عن الاستعداد لتقديم
خدماتها للجميع لتحقيق تلك الاهداف.
ان الملف الايراني غدى الامتحان الاول العسير
للدبلوماسية الروسية في العام البادئ، بعد ان
اعلنت انها احرزت في العام الفائت العديد من
النقاط. والسؤال فيما اذا كان سيتيح الغرب لها
تحقيق نجاحات لرصيدها.
1 . شكوك العرب مبنية على الحقائق الاتية:
اولا : ليس خافيا على احد في الشرق والغرب، ان
ايران دولة مهمة لدى العالم الغربي، وخصوصا لدى
الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا والمانيا. فهي
مهمة بالنسبة لموسكو لان الشعب الروسي ينحدر من
قبائل ايرانية غزت روسيا كغيرها من القبائل، وهي
مهمة لالمانيا لانها تنتمي الى العرق الاري،
والالمان اريون. والاريون جزء من الشعوب الهندية-
الاوروبية التي استوطنت قبائلها قديما اسيا الوسطى
ثم انتشرت في الهند واوروبا. وكان هتلر ينادي
بنقاء العرق الاري وتفوقه على العروق الاخرى، وقبل
الثورة الاسلامية في ايران، كان شاه ايران يدعى ار
يامهر نسبة الى عرقه الاري.
واما اهمية ايران لاميركا وبريطانيا فلاسباب نفطية
واستراتيجية. واما النفطية فمعروفة. واما
الاستراتيجية فهي - بالنسبة لواشنطن خاصة - ان
ايران تشكل قومية مذهبية وامة محصورة في بقعة
معروفة من الارض، وهذه الصفة لا توجد في العالم
العربي الذي ليس متفقا على انه امة واحدة، او عرق
واحد، او مذهب واحد كما هي الحال في ايران. ومن
هنا تبدو ايران (في نظر اميركا) شوكة قاسية في
خاصرة الامة العربية.
ثانيا : في الانتماء الى الدين الاسلامي، تشكل
ايران - بالنسبة لاميركا - الفريق الشيعي غير
المتجانس، بل المتصارع مع الفريق العربي السني
لاسباب مذهبية ودينية لا حصر لها. وبما ان السنة
العرب اصبحوا محصورين في دول ومناطق خارج الصراع
العسكري مع اسرائيل، فان الشيعة اصبحوا يشكلون
الاكثرية في الدول المح